الغزالي

14

المستصفى

فمؤنتهما خفيفة إذ طالبهما قانع بتبديل لفظ العقار بالخمر ، وتبديل لفظ العلم بالمعرفة ، أو بما هو وصف عرضي جامع مانع ، وإنما العويص المتعذر هو الحد الحقيقي ، وهو الكاشف عن ماهية الشئ لا غير . القانون الثالث ( أصل السؤال وتعريفه الصحيح ) إن ما وقع السؤال عن ماهيته وأردت أن تحده حدا حقيقيا فعليك فيه وظائف ، لا يكون الحد حقيقيا إلا بها ، فإن تركتها سميناه رسميا أو لفظيا ، ويخرج عن كونه معربا عن حقيقة الشئ ، ومصورا لكنه معناه في النفس . الأولى : أن تجمع أجزاء الحد من الجنس والفصول : فإذا قال لك مشيرا إلى ما ينبت من الأرض : ما هو ؟ فلا بد أن تقول : جسم ، لكن لو اقتصرت عليه لبطل عليك بالحجر ، فتحتاج إلى الزيادة ، فتقول : نام ، فتحترز به عما لا ينمو ، فهذا الاحتراز يسمى فصلا ، أي فصلت به المحدود عن غيره . الثانية : أن تذكر جميع ذاتياته وإن كانت ألفا ولا تبالي بالتطويل ، لكن ينبغي أن تقدم الأعم على الأخص ، فلا تقول : نام جسم بل بالعكس ، وهذه لو تركتها لتشوش النظم ، ولم تخرج الحقيقة عن كونها مذكورة مع اضطراب اللفظ ، فالانكار عليك في هذا أقل مما في الأول ، وهو أن تقتصر على الجسم . الثالثة : إنك إذا وجدت الجنس القريب فلا تذكر البعيد معه ، فتكون مكررا ، كما تقول : مائع شراب ، أو تقتصر على البعيد ، فتكون مبعدا ، كما تقول في حد الخمر : جسم مسكر ، مأخوذ من العنب ، وإذا ذكرت هذا فقد ذكرت ، ما هو ذاتي ومطرد ومنعكس ، لكنه مختل قاصر عن تصوير كنه حقيقة الخمر ، بل لو قلت : مائع مسكر ، كان أقرب من الجسم ، وهو أيضا ضعيف ، بل ينبغي أن تقول : شراب مسكر ، فإنه الأقرب الأخص ، ولا تجد بعده جنسا أخص منه ، فإذا ذكرت الجنس فاطلب بعده الفصل ، إذ الشراب يتناول سائر الأشربة ، فأجتهد أن تفصل بالذاتيات ، إلا إذا عسر عليك ذلك ، وهو كذلك عسير في أكثر الحدود ، فاعدل بعد ذكر الجنس إلى اللوازم ، واجتهد أن يكون ما ذكرته من اللوازم الظاهرة المعروفة ، فإن الخفي لا يعرف ، كما إذا قيل : ما الأسد ؟ فقلت : سبع أبخر ، ليتميز بالبخر عن الكلب ، فإن البخر من خواص الأسد ، لأنه خفي ، ولو قلت : سبع شجاع عريض الأعالي ، لكانت هذه اللوازم والاعراض أقرب إلى المقصود ، لأنها أجلى ، وأكثر مما ترى في الكتب من الحدود رسمية ، إذ الحقيقية عسرة جدا ، وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها ، فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشذ واحد منها عسر ، والتمييز بين الذاتي واللازم عسر ، ورعاية الترتيب حتى لا يبتدأ بالأخص قبل الأعم عسر ، وطلب الجنس الأقرب عسر ، فإنك ربما تقول في الأسد إنه حيوان شجاع ، ولا يحضرك لفظ السبع ، فتجمع أنواعا من العسر ، وأحسن الرسميات ما وضع فيه الجنس الأقرب ، وتمم بالخواص المشهورة المعروفة . الرابعة : أن تحترز من الألفاظ الغريبة الوحشية والمجازية البعيدة والمشتركة المترددة ، واجتهد في الايجاز ما قدرت ، وفي طلب اللفظ النص ما أمكنك ، فإن أعوزك النص وافتقرت إلى الاستعارة فاطلب من الاستعارات ما هو أشد مناسبة للغرض ، واذكر مرادك للسائل ، فما كل أمر معقول له عبارة صريحة موضوعة للانباء عنه ، ولو طول مطول واستعار مستعير أو أتى بلفظ مشترك وعرف مراده بالتصريح أو عرف بالقرينة ، فلا ينبغي أن يستعظم صنيعه ويبالغ في